12فبراير

الإندماج .. المهمة المستحيلة في السعودية

يُلام المرء على ما يقوم به من أخطاء، أو تقصير في أداء مهامه ويكون اللوم أكبر إذا كان أثر التقصير متعدي على الآخرين. وفي دائرة الأعمال لدينا دائما ما يُجلد أصحاب رؤوس الأموال ورؤساء الشركات والإدارات التنفيذية دون غيرهم من مشرعي الأنظمة والقوانين، لتقاعسهم عن التطوير أو المبادرة في بعض الأمور. والتوازن بين الشد والجذب وتوزيع اللوم على جميع الأطراف يُنصف و يُخفف حدته.

خيارات التجارة متعددة ما بين البدء بالتأسيس من اللاشيء أو الإستحواذ على أعمال قائمة أو الإندماج مع الآخرين ولكل مستوى منها فائدة وحاجة وتوقيت، وكلها خيارات متاحة ومألوفة في العالم وليست اختراع جديد، ووجودها صحي وينعكس على مدى تقدم الأنظمة والقوانين والوعي العالي لدى المسؤلين. فالقيمة المالية لإندماج الشركات عالميا خلال عام 2009م بلغ 1,7 تريليون دولار. وقفز الرقم في عام 2015م ليصل 4,3 تريليون دولار.

وهذا يوضح انتعاش سوق الإندماجات ورواج هذه الفكرة عالميا، وفعاليتها كخيار استراتيجي لتعظيم الأرباح بين الشركات ذات المجال المشترك. محليا عانت على مدى سنوات, القوانين والأنظمة المتعلقة بالتجارة والصناعة وسوق المال، من ولادة متعسرة لعملية تطويرها، وأصبح كل تطوير لها مُعضلة تحتاج لعملية جراحية لمعالجة التشوهات السابقة ومحاولة لملمة آثار القوانين القديمة التي لم تواكب تسارع الأحداث. وأصبحت الخطوة للأمام التي تقوم بها الجهات الحكومية للتحسين خطوة إيجابية لكنها خطوة متأخرة عن الحاجة الحالية وتسببت بيروقراطية العمل الحكومي و البُعد التسلسي لطريقة صناعة القرار التي تتطلب المرور على عدة لجان وتواقيع من زيادة التأخير الحاصل في حداثة الأنظمة ومواكبتها للحاجة الفعلية.

في ظل ظروف اقتصادية حالية، أصبح خيار الإندماج خيار عملي وفعّال بدلا من الإستمرار بالتنافس المميت لكلا الطرفين، ولأن الإندماج لدينا قليل لدرجة أن أمثلة محاولات الإندماج المُعلنة أقل من أن تُعد على أصابع اليد وكان أشهرها محاولات دمج شركتي الصحراء وسبكيم المتخصصتين في مجال البتروكيماويات المدرجة في سوق الأسهم السعودي، وقلة فُرص الإندماج لا يعني عنجهية الرؤساء التنفيذيين ورغبتهم في التمسك بكراسي السُلطة أو جهل المؤسسين وحملة الأسهم في حال كانت الشركة مدرجة بسوق المال.

لكنها قلة نابعة من قِدَم الأنظمة، وصعوبة بالإشتراطات التي تتطلبها القوانين الحالية. فهل يُمكن أن يُجمع الأخ وأخوته على أمر واحد لو تشاوروا فيه؟ فكيف يُتوقع إذا من المساهمين في الشركات السعودية المدرجة بسوق المال أن يُجمعوا أمرهم على قرار واحد بخصوص الإندماج، إذ يُطلب من الشركات أن تحصل على موافقة 100% من جميع المساهمين حتى يتم الإندماج بدلا من الإكتفاء بموافقة الأغلبية أو تحديد نسبة معينة مهما كانت مرتفعة ستكون على أقل الأحوال أفضل من قانون يُعطي الحق بإلغاء قرار الإندماج في حال رفض قرار الإندماج من قبل أحد المساهمين الذي لا يتجاوز ما يحمله من الأسهم 100 سهم.

ويزداد الأمر تعقيدا عندما تفرض قوانين الإندماج المحلية أن يتم اندماج شركة بأخرى شريطة أن يتم إلغاء كيان الشركة الأخرى تماما بدلا من أن يتاح خيار بقاء كيان الشركتين تكون إحداهما الرئيسية فيه والأخرى شركة ذات مسؤولية محدودة تحت ظل الشركة الأم. لأن بإلزام إلغاء كيان شركة بأكملها بعد الإندماج سيتسبب بقائمة طويلة جدا من الملفات التي لا بد من الإنتهاء منها، فيلزم بعد الإندماج نقل كافة التراخيص المُصدرة للشركة القديمة للشركة الجديدة، وكذلك العقود يتم صياغتها من جديد، والمديونيات وهذا كله يستغرق وقتا وجهدا ومالا، وغني عن القول أنه في حال رفض أحد الدائنين “للشركة الملغاة بعد الإندماج” هذا يعني تعطل الإندماج كاملا ولا يتم إلا بموافقة جميع الدائنين.

ولا إختلاف على وجوب وضع ضوابط مُشددة تضبط المسألة وتحفظ الحقوق، لكن الوضع القائم حاليا لا يستقيم مع أهداف رؤية 2030 والتي تركز على رفع مساهمة القطاع الخاص في التوظيف وفي الناتج المحلي، وتخفيف الحمل عن كاهل الحكومة.

إضافة لذلك نحن نعاني من قلة شديدة في عمليات الدمج والإستحواذ وغيرها من أساليب التجارة، وسيطر علينا نموذج واحد وهو التأسيس من الصفر. ففي ظل هذا النقص الشديد كان الأجدر تخفيف الشروط وتسهيل الأنظمة لتشجيع الشركات على الإندماج وتعظيم أرباح المساهمين بتكامل الخدمات فيما بين الشركات بدلا من التنافس الطاحن فيما بينهم في ظل ظروف اقتصادية أصعب مما كانت عليه سابقا. أنظمة الإندماج بوضعها الحالي هي موافقة مُسبقة من الجهات المُشرّعة مُبطنة بـ لا خفيّة.

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة