25يناير

الخطوط السعودية .. 71 عاما إمتلأت بالتجاعيد

بدأت صناعة الطيران في السعودية في عام 1945م وكانت الخطوط السعودية من أوائل خطوط الطيران في المنطقة، وتطور حجم أسطولها وتنوعت وجهاتها مع مرور الوقت. فنشأت صغيرة بطائرة واحدة مُهداة من الرئيس الأمريكي للملك عبدالعزيز رحمه الله وكبرت واشتد عودها وشبّت وها هي قاربت من عيدها 71 فماذا فعلت هذه العجوز، ماليا خلال هذه السنوات جميعها وكيف قضت شبابها مقارنة مع مثيلاتها من طيران المنطقة والعالم.

صناعة الطيران صناعة تنافسية وضخمة والحق يقال أنها ليست تجارة سهلة، فصافي الربح لخطوط الطيران التجارية حول العالم مجتمعة ارتفع من 8 مليار دولار في عام 2011م حتى بلغ 36 مليار دولار في عام 2016م. ولكنها تأثرت في عام 2008م بخسائر بلغت 26 مليار دولار. أما الدخل التشغيلي لشركات الطيران التجارية مجتمعة في عام 2016م بلغ ما يقارب 59 مليار دولار. مقارنة مع دخل تشغيلي 4 مليار دولار فقط خلال عام 2005م. ولا يخفى تأثر أرباح شركات الطيران بعدة عوامل منها الأوضاع الاقتصادية العالمية، وقوة حركة السياحة وأسعار وقود الطائرات التي تتأثر بأسعار النفط مباشرة، وغيرها من العوامل المؤثرة، فتقلّب الشركات بين الربحية والخسارة وانخفاض الأرباح أمر طبيعي لهم.

وتصدّر صافي الربح لشركات الطيران عالميًا لعام 2015م American Airlines بالمركز الأول بنصيب 6 مليار دولار، وكانت القائمة لأعلى 12 شركة من حيث صافي الربح خالية تماما من أي طيران عربي ما عدا الخطوط الإماراتية التي استطاعت أن تنتزع المركز الخامس من هذه القائمة بنصيب 1,6 مليار دولار

أما خليجيًا فالخطوط الجوية القطرية والتى أُنشأت عام 1993م فإن حجم الأرباح التي وزعتها على المساهمين عام 2012م 3 مليون ريال قطري، ثم ارتفعت إلى 359 مليون ريال قطري في عام 2013م وفي عام 2016م بلغ حجم الأرباح التي وزعتها مليار و 600 مليون ريال قطري.

والحديث هنا عن حجم الأرباح التي وزعتها وهذا يعني أن الخطوط القطرية تجاوزت مرحلة التحول من الخسائر للربحية إلى مرحلة توزيع أرباح على المساهمين. أما الخطوط الإماراتية التي أُنشأت في عام 1985م فكما تمت الإشارة إليه سابقا أنها استطاعت تحقيق المركز الخامس عالميا من حيث صافي الربح متجاوزة عدد من خطوط الطيران الشهيرة.

ما هو حال السعودية عندما كبُرَ سنّهُا ونضجت خِبرتها؟ نظريا يجب أن تكون الخطوط السعودية في مقدمة الخطوط الخليجية لتوافر عنصر الخبرة لديها فهي تفوقهم بعُمرها 3 أضعاف تقريبا، وموقعها الإستراتيجي وميزة توفر السياحة الدينية في السعودية، وارتفاع أعداد السعوديين وهو ما يعزز موقعها في السياحة الدولية التي يقوم بها السعوديين.

خلال 71 عامًا حافظت السعودية على سريّة قوائمها المالية وتقاريرها السنوية حسب الأنظمة المتبعة لمثل حالتها من الجهات الحكومية والتي تقتصر في عرض مثل هذه التفاصيل بشكل مختصر على الجهات ذات العلاقة. بل أن مجلس الشورى لا يستطيع الإطلاع على الحسابات الختامية للخطوط السعودية، حيث أن مجلس الشورى رفض توصية من أحد أعضائه عام 2011م لطلب عرض الحسابات الختامية للخطوط السعودية على طاولة مجلس الشورى.

وبرر المجلس حينها بما نصّه “أن النظر في الحسابات الختامية لأجهزة الدولة ومؤسساتها هو من اختصاص مجلس الوزراء، وليس من اختصاصات مجلس الشورى، وفق ما نصت عليه المادة الثامنة والسبعون من النظام الأساسي للحكم” وهذا كله ليس لرفع راية الشك حول القوائم المالية من عدمه، ولكنها مقدمة للقارئ لصعوبة الخوض في تفاصيل القوائم المالية للخطوط السعودية وضحالت المعلومات المتوفرة للعموم وحسب أحد جلسات مجلس الشورى فإن السعودية تحمّلت خسائر مالية سنوية تقارب 1,7مليار ريال والتبرير الدائم من الخطوط السعودية يكون بسبب تدني أسعار الرحلات الداخلية.

وحسب تقرير صحفي أن الخطوط السعودية حققت أول ربح لها في عام 2002م بمبلغ 150 مليون ريال وهو الأول منذ إنشائها أي بعد مرور ما يقارب نصف قرن استطاعت الشركة التحول للربحية، و حسب حديث المدير العام الأسبق للخطوط السعودية د.خالد بن بكر في حديث له مع صحيفة الشرق الأوسط عام 2004م أنها حققت أرباحا عام 2003م بمبلغ 250 مليون ريال. يبقى الكثير من الأسئلة الغامضة التي لا يمكن الجزم بها تماما لعدم توفر التقارير المالية للعموم، لكن ما يمكن الجزم به هو لو أن الشركة مستمرة في تحقيق الأرباح سنويا لكانت أول من ينشر هذه الأخبار ويتفاخر بها مثلما هو الحال مع إعلان الشركة السنوي من زيادة أعداد المسافرين على متن خطوطها.

ليس المقام هنا مقام التشفّي من الشركة، ولكن شركة وطنية بمثل هذا الحجم والفرص المالية الضخمة لمثل هذه الصناعة ولمدة 71 عام يجب أن تكون رافدا مهما للحكومة وأن تقف على أرجلها دون الحاجة للمساندة الحكومية في كل مرة، فيكفيها رعاية أبوية من قِبل الحكومة لما يزيد على نصف قرن. نُريد لمثل هذه الشركة أن تكون رافدا اقتصاديا مثلما هو الحال مع شركات الحكومة السابقة والتي تم طرحها للإكتتاب العام أمثال شركة سابك والإتصالات السعودية وغيرها، نُريدها أن ترد جميل الوطن لها بالتحول للربحية والبدء بتوزيع الأرباح.

حسب أحدث تقرير من هيئة الطيران المدني فإن مجموع الركاب للرحلات الداخلية لعام 2015م بلغ ما يقارب 10 ملايين راكب، وهو ما تشاركت فيه جميع الشركات المحلية بنقلهم مع الأخذ بالإعتبار أن الخطوط السعودية كان لها نصيب الأسد، لكن السعودية نقلت خلال عام 2015م لوحدها داخليا ودوليا ما يقارب 30 مليون راكب فعدد ركاب الداخل يمثلون لها من إجمالي الركاب أقل من الثلث.

ومما يجب أن يُذكر أنه عند صدور النظام الخاص بالمؤسسة العامة للخطوط الجوية العربية السعودية بالمرسوم الملكي رقم (م/٢٤) وتاريخ ١٨/٧/١٣٨٥ هـ أعفى المؤسسة من جميع الرسوم بكافة أنواعها حسب المادة الثانية عشرة من النظام. وبقي هذا الإعفاء حتى صدور مرسوم ملكي رقم م/٤٢ وتاريخ ١١/٧/١٤٢٦ هـ والذي تم فيه تعديل المادة الثانية عشرة من النظام ليكون الإعفاء محددا في وقود الطائرات فقط دون غيره من أنواع الوقود، وفيه أيضا يطلب من وزارة المالية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة ببحث إمكانية إلغاء بقية الإعفاءات الصادرة للمؤسسة.

نتفق أنه يجب أن يكون السوق حُرا للعرض والطلب، أو أن يتم الإلزام بتقديم أسعار مخفّضة للتذاكر الداخلية شريطة تقديم الدعم الكافي للخطوط لذلك. لكن السؤال الذي يجب أن يُسأل الآن كيف يُقدم دعما للخطوط السعودية دون ضوابط مقيدة، ونحن نرى أن ثلثي الركاب الذين تنقلهم الخطوط عبارة عن ركاب رحلات دولية تستفيد فيه الخطوط من الدعم المقدم لها في رحلات دولية مفتوحة السعر؟

وكل ما سبق لا يُعفى هيئة الطيران المدني من قصورها في تطوير البنية التحتية للمطارات حتى تواكب الإزدياد في أعداد المسافرين وهي المنوط بها تحسين وتوسعة المنشآت المتعلقة بالمطارات السعودية بأكملها. ولكن التبرير المستمر بانخفاض أسعار التذاكر الداخلية أنه سبب رئيسي لسلسلة الخسائر إضافة للتشغيل الإجباري على بعض المسارات الغير مجدية اقتصاديا، دون ذكر جهود الشركة في ضبط التكاليف التشغيلية عبر إعادة هيكلة شركة ترهّلت بعد مرور 71 عام أمر يدعو للقلق.

تأخرت الخطوط السعودية كثيرا في رد الجميل للوطن ماليا. وسيكون الوجع أكبر إذا ما استمرت الخطوط السعودية بسلسلة الخسائر بعد ما تم البدء بشكل مرحلي لتحرير أسعار التذاكر الداخلية والذي بدأت فيه مؤخرًا.

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة