1يونيو

غيمة السيّاح … أين تُمطر؟

التنوع الذي أوجده الله على كوكب الكرة الأرضية من تغير التضاريس ودرجات الحرارة وطبيعة البشر أنفسهم، ولّدت الرغبة في الترحال والإستكشاف والشغف لمعرفة ومقابلة الجديد. ومع تطور الإنسان والصناعات التي أحدثها جعلت الشغف يزداد بالسفر المتكرر والمتواصل فوسائل السفر الحالية أصبحت وسيلة إغراء لسفر أي شخص خصوصا مع التنافس الشديد بين الدول التي تعتمد بشكل كبير على إقتصاديات السياحة والسيّاح.


في عام 2015م بلغ عدد السياح الأجانب لمدينة لندن 19 مليون وهي الأعلى في القائمة حول العالم. يليها بانكوك 18 مليون ثم باريس بعدد 16 مليون ثم تأتي مدينة دبي بعدد14 مليون متفوقه على مدينة اسطنبول التي بلغ عدد السياح فيها 12 مليون. وقام هؤلاء السياح بصرف ما مجموعه20 مليار دولار أمريكي في لندن بينما في باريس صرفوا ما يقارب16مليار دولار وفي بانكوك صرفوا12 مليار دولار وفي دبي صرفوا ما يقارب12 مليار دولار. وفي اسطنبول صرفوا9 مليار دولار.

 

والأرقام السابقة مهمة جدا لأنها توضح بشكل كبير حجم السياحة حول العالم وحجم تأثيرها في هذه المدن، ولا يغيب عن ذهن القارئ أن تصدّر مدينة بعدد السياح لا يعني أن السياح صرفوا فيها مبالغ أكبر وهذا يمكن ملاحظته بشكل كبير في بانكوك فعدد سياحها تفوق على عدد السياح في باريس ولكن المبالغ التي صرفوها السياح في باريس أكبر من المبالغ المصروفة في بانكوك. وهذا يعود إلى تنوع الخيارات أمام السياح وإتاحة وسائل مختلفة لحث السائح على صرف المزيد من المبالغ.

 

وعالميا غيمة السيّاح أمطرت على العالم بأكمله عائدات بحوالي 475 مليار دولار في عام 2000م وتضاعف هذا المبلغ مع سهولة السفر وتنوع الخيارات حتى وصل مجموع العائدات من السياحة حول العالم ما يتجاوز تريليون و ٢٤٥ مليار دولار في عام 2014م وهو ما يعني ثلاث أضعاف المبلغ المصروف تقريبا في عام 2000م وهذه حقائق جعلت العديد من الدول تتسابق لزيادة حصتها من هذه الكعكة الكبيرة، خصوصا أن التقنية الحديثة أتاحت فرصتين للبشر سهّلت وسائل السفر وقلصت المسافات، والأمر الآخر أنها أتاحة المعلومات لكل أحد حول المدينة والمكان الذي سيزوره وهو ما يكسر حاجز الخوف لدى بعض الناس الذين يتوجّسون من السفر لأماكن جديدة لا يعرفون عنها أي شيء.

 

ولأن الله وزع الفرص بشكل مختلف على كوكب الأرض فأصبحت للسياحة والسفر أنواع، وهذه أهم نقطة يجب إستيعابها لتطوير السياحة في السعودية، فأصبح هناك توجه للسياحة المتخصصة، مثل السفر من أجل الطبيعة والإستجمام والسفر للعلاج والسفر لدراسة كورسات لغة جديدة أو حتى الحصول على شهادات ودرجات علمية و السفر للأغراض الدينية والسفر لزيارة الأقارب والأصدقاء. فحاجات الناس أصبحت عديدة ولا يمكن لدولة واحدة أن تحققها جميعا لذلك نرى أنه مهما كانت الدولة متطورة فنجد أن شعبها ما زال يحتاج للسفر للسياحة الخارجية مثل مواطني دول شمال أمريكا وبريطانيا وأوروبا الذين يحرصون على السفر للدول المشمسة والدافئة بسبب فقدانهم لهذه الميزة في بلدانهم وهو ما يعزز فكرة أن فرصة صناعة السياحة متاحة لكل الدول ولكن على كل دولة استغلال إمكانياتها لتوليد صانعة سياحية رائدة.

وحتى تتضح الصورة بالأرقام، نعود لما ذكرته في بداية المقال عن السياح الأجانب الذين زاروا لندن في عام 2015م فإنهم لم يقوموا بالسفر للندن من أجل الإستجمام والإسترخاء ولكن لأغراض عديدة حيث أن مجموع الذين سافروا من أجل الإستجمام صرفوا خمسة مليار و 364 مليون جنيه استرليني بينما الذين سافروا من أجل زيارة أقاربهم وأصدقائهم المتواجدين في لندن صرفوا ما مجموعه اثنين مليار جنيه بينما الذي سافروا من أجل العمل صرفوا ما يقارب ثلاثة مليار و 243 مليون جنيه. فنلحظ أن وسيلة الجذب للندن لم تكن الإستجمام والمرافق المتاحة للسياح في المدينة نفسها وإنما كان هناك عوامل أخرى ساعدت في جذب السياح مثل وجود أقارب لهم أو وجود فرص إقامة عمل وعقد اتفاقيات في المدينة مع الشركات المتواجدة هناك.
ماذا يمكن أن نقدمه في بلد صحرواي مثل السعودية؟ حرارة الجو عائق كبير لأي بلد لتطويره وجعله مكان جذاب للسياحة ونلحظ هذا مثلا في ملف قطر لاستضافة كأس العالم والإثارة الإعلامية حول هذه النقطة بشكل متكرر. لكن الأمر الإيجابي أن السياحة ليست مقتصرة على الطبيعة الخلابة. وهو ما يدعم حظوظ السعودية بتطوير السياحة الدينية عبر زيادة عدد المعتمرين والحجاج وهو ما سيتم بإذن الله بعد الإنتهاء من كافة المشاريع العملاقة في الحرمين من البنية التحتية للحرمين الشريفين ومشاريع تطوير البنية التحتية لوسائل المواصلات. ولنتذكر أن دبي المشهورة في السياحة خليجيا استطاعت جذب 14 مليون سائح استطاعت من خلالها حث السياح على صرف ما يقارب 12 مليار دولار. بينما في السعودية فإن عدد الحجاج الأجانب يترواح ما بين مليون ونصف المليون وحتى المليونين سنويا أما في موسم العمرة فإنه يبلغ عدد المعتمرين تقريبا 7 مليون معتمر وهو ما يمكن زيادته حتى 30 مليون معتمر مستقبلا.
هذا فقط ما يخص السياحة الدينية. ويمكن زيادة أعداد الزوار للسعودية عبر إتاحة الفرصة لأقارب العاملين الأجانب في السعودية بالزيارة حيث أن الأنظمة الحالية لا تتيح للزائر الأجنبي إلا تأشيرة العمرة وتُلزمه بالقانون أن يتواجد في مكة أو المدينة فقط دون السماح له بزيارة أقاربه في أي مدينة سعودية أخرى فلدينا الآن ما يقارب 10 مليون أجنبي لو أتيحت الفرصة لزيارة أقاربهم لهم عبر تأشيرة سياحية سيعزز الفرص بزيادة الزوار للسعودية من أجل غرض زيارة الأقارب والأصدقاء.
ولا يعني تعزيز وتوسيع السياحة الدينية أنه سيتم فرض رسوم على الحجاج أو المعتمرين أو رسوم دخول للحرمين الشريفين كما يعتقد بعضهم. فالسياحة الدينية بمفهومها الإقتصادي أكبر وأعمق من ذلك بكثير. ويمكن تبسيطها أن الأرباح الإقتصادية من هذه السياحة ستكون عبر ما يصرفه زوار الحرمين على حجوزات الفنادق والمطاعم والمقاهي والمخازن الغذائية الكبيرة والمتاحف وتشغيل الخدمات في المطارات وحركة النقل العامة والهدايا والتذكارات التي يتم شرؤاها من السعودية.

صحيح أن هناك أمور غير واضحة حتى الآن، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك تفاؤل وعزيمة كبيرة لأن فرص زيادة أعداد السياح كبيرة جدا وهو ما سينعكس بشكل إيجابي على إقتصاد السعودية للفترة القادمة. ولنتذكر أن ما سبق طرحه يُظهر فرصة السياحة الدينية في السعودية ولا نغفل عن وجود فرص سياحية أخرى مثل الطبيعة الخلابة في الجنوب والجزر السعودية المنتشرة على طول البحر الأحمر إضافة إلى الأماكن التاريخية والتي تعود إلى حضارات قديمة ولها قيمة عالمية. غيمة السيّاح تُمطر حول العالم بأكمله لكنها تحتاج لمن يستعد لها ويهيأ لها الأجواء لتُثمر الأرض بعد مطرهم.

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

تعليق واحد

  1. ما أجمل العنوان ، جعل التدوينه كلها لطيفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة