18مايو

حكاية السعودة الوهمية … كيف بدأت

تحتاج بعض الإدارات لقرارات جوهرية لإحداث تغيير جذري في سير أعمالها ونتائجها. وتوطين الوظائف وتحسين بيئة العمل من المواضيع التي تتصدر القائمة في حاجتها لقرارات جوهرية لأنها تكون بين نار البطالة والمجتمع من جهة وبين أصحاب العمل وتهربهم من توطين الوظائف وسعيهم لخفض التكاليف قدر الإمكان.

سعت وزارة العمل والتنمية الإجتماعية خلال السنوات الماضية عبر سلسلة من القرارات والبرامج على رأسها برنامج نطاقات بمراحله المختلفة إلى توطين الوظائف والضغط على القطاع الخاص لتوطين الوظائف وكان من ضمن هذه القرارات ما هو بطريقة الإجبار كأن يتم رفض احتساب السعودي ضمن النقاط المُجمعة اذا كان الراتب الذي يستلمه أقل من حد معين. واشتهرت على اثر ذلك ما يُعرف بالسعودة الوهمية لسنوات طويلة وأصبحت بين الإنكار الرسمي من وجودها وبين الإعتراف ضمنيًا بين الفترة والأخرى بأنها ظاهرة ملحوظة وتحتاج للمعالجة. وبعد مرور ما يقارب الخمس سنوات على جهود الوزارة الفعلية في توطين الوظائف من خلال برنامج نطاقات نستعرض تاريخيًا ما حدث في حركة الوظائف وكيف بدأت السعودة الوهمية بالظهور.
كان من أهم اشتراطات الوزارة سعودة إجبارية تتناسب مع عدد العمالة الأجنبية إضافة إلى شرط الحد الأدنى للراتب الذي يمكن من خلاله احتساب السعودي ضمن النقاط كان هذا القرار سببا في زيادة السعودة في فئة الراتب ٣٠٠٠-٣٤٩٩ ريال خلال سنة واحدة بعد القرار لعام ١٤٣٣هـ بنسبة ٧٠٠٪ وهي نسبة عالية جدا لا ترمز نهائيا إلى توليد وظائف حقيقية يحتاجها الإقتصاد أو تم توليدها بشكل حقيقي لحاجة القطاع الخاص لها. فحسب نسبة الزيادة السنوية للفترة من ١٤٣٢ هـ وحتى ١٤٣٦هـ كان متوسط الزيادات للوظائف في مختلف فئات الراتب الأخرى ما يعادل ١٥٪ وفئة ٣٠٠٠ آلاف ريال هي الفئة الوحيدة التي زادت بهذه النسبة العالية خلال سنة واحدة فقط وهو ما يعزز أنها كانت زيادة اضطرارية من الشركات حتى يتم تسهيل إجراءاتهم في الحصول على التأشيرات للعمالة الأجنبية وغيرها.

ولو افترضنا جدلا أن القطاع الخاص بحاجة ماسة ولديه القدرة الفعلية لتوليد وظائف كبيرة في هذه الفئة من الرواتب لاستمر بزيادة نسبة التوظيف فيها بنسبة مرتفعة للسنوات التي تلي السنة الأولى لتطبيق الوزارة لقرارها في عام ١٤٣٣هـ وهو ما لم يحدث حيث أنها انخفضت نسبة التوظيف سلبا في العام الذي يليه ثم بلغت ١٠٪ لعام ١٤٣٦هـ وهي نسبة تتناسب مع الزيادة الطبيعية لبقية فئات الراتب حسب تصنيف التأمينات الإجتماعية لها في تقاريرها السنوية. وسيكون من المفيد حقا لو أتاحت التأمينات الإجتماعية من خلال تقريرها السنوي الفئة العمرية للمشتركين حسب الجنسية بدلا من عرضها بشكل عام دون تفصيل. حينها يمكن مقارنة نسبة الزيادة في الوظائف حسب فئات الراتب ومقارنتها مع الفئة العمرية. فقطعا الوظائف الحقيقة يجب أن تذهب للفئة العمرية الأصغر لأنها تمثل ٧٠٪ تقريبا من عدد السكان السعوديين. والزيادة في الوظائف لصالح كبار السن يعني إلتفاف الشركات على توطين الوظائف من خلال استخدام أسماء أقاربهم من كبار السن المتقاعدين والغير متعلمين لسد الحاجة للسعودة ليتم إكمال الإجراءات القانونية للحصول على التأشيرات اللازمة.

وهذه السعودة هي عبارة عن مسكنات لا تعني أن المرض قد تم علاجه ولكنها تخفي آثاره وسيعود عند انتهاء أثر العلاج. فهذه الوظائف التي يتم توليدها بمثل هذه الطريقة وظائف هشة غير حقيقية وتؤثر سلبا على الإحصائيات لمتوسط الراتب للقطاع الخاص كمثال. فعدد السعودين الذي يعملون في فئة الراتب ٣٠٠٠ -٣٤٩٩ ريال زاد خلال سنة واحدة ليصل إلى ما يقارب ٨٠٠ ألف شخص مقابل ١٠٠ ألف للسنة التي قبلها وهذه الزيادة العالية تؤثر على متوسط الراتب الحقيقي للعاملين في القطاع الخاص. وهو ما سيجعل من الصعب بناء دراسات وأخذ قرارات دقيقة استنادا على متوسطات بُنيت على وظائف غير فاعلة على أرض الواقع. ووما سبق يمكن التنبؤ أن ذات الأحداث ستكرر في حال تم رفع الحد الأدنى للراتب الذي يُحتسب به السعودي في نقاط برنامج نطاقات حيث ستحدث قفزة عالية لمرة واحدة في فئة الراتب الجديد.

التفاف الآخرين على النظام ومحاولة الهروب منه تجربة مشتركة حول العالم في جميع المواضيع، وأشهرها التهرب الضريبي حول العالم التي تقوم به شركات كبرى وشخصيات مشهورة. لذلك ما تعانيه وزارة العمل من هذه الظاهرة شيء طبيعي ولكن يجب أن يتم تحليل نتائج القرارات وتحسينها والإضافة لها ووضع شروط مُنصفة لأفراد المجتمع الراغبين بالعمل وأصحاب القطاع الخاص أيضا تُساهم في توليد وظائف حقيقية تخدم الطرفين وتدعم الإقتصاد بشكل فاعل. والأهم من ذلك هو الإعتراف بوجود جوانب سلبية لكل قرار تم إتخاذه والنظر لتوطين الوظائف بمنظار أنها وظيفة تخدم الإقتصاد وليس رقمًا نشترط وجوده على الشركات دون اعتبار لنوعية الوظيفة وقيمتها الفاعلة في الإقتصاد. ونحن على أبواب البدء بتنفيذ رؤية ٢٠٣٠م التي تستهدف رفع مساهمة القطاع الخاص بتوليد الوظائف علينا أن نستفيد من تحليل القرارات السابقة ونطورها حتى لا تكون رؤيتنا ٢٠٣٠م نسخة مكررة من الماضي.

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة