11مايو

فوز ليستر سيتي بالدوري الإنجليزي … المال أم الإدارة

ضخ الميزانيات الضخمة في المشروعات التنموية في أي بلد، يؤمن به الكثير أنه يساهم بشكل رئيسي في فرض الحالة الإيجابية لاقتصاد البلد وهذا شيء متوقع ولا يوجد خلاف عليه حتى أن وكالات التصنيف العالمية تتأثر تقيماتها للدول بحجم مشاريعها والأموال المصروفة على البنية التحتية. لكن نقطة الإختلاف الرئيسية هي عندما يتم قصر التأثير الإيجابي على الدول بحجم المبالغ المصروفة والتقليل من أهمية التطوير والتحسين الإداري وكسر البيروقراطيات المرهقة.
ضخامة الميزانيات لوحدها للدول ليست حالة إيجابية إذا لم يواكبها تطوير إداري يجعل من هذا المال ذا قيمة مُشاهدة على أرض الواقع. والأحداث حول العالم كثيرة جدا التي تُبرهن على وصول الكثير لنجاحات غير مسبوقة بميزانيات قليلة وهو ما يضع أصحاب الميزانيات الضخمة في حرج كبير عند حدوث ذلك.
لم يتوقع أحدا فوز ليستر الذي كان يصارع الموسم الماضي على الهبوط مما جعل شركات المراهنات تراهن أنها ستعطي ٥ آلاف باوند لكل باوند تراهن به لفوز ليستر بالدوري. ليستر سيتي حقق كأس الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم لأول مرة في تاريخه الممتد لما يقارب 132 عام. فوز ليستر لم يمر مرور الكرام على العالم، ضجت القنوات العالمية ووكالات الأخبار في دول عديدة وبلغات كثيرة تغطي هذا الحدث التاريخي.
اختطاف ليستر للكأس من أنياب فرق ضخمة وكبيرة مثل مانشستر يونايتد وآرسنال و تشيلسي ومانشستر سيتي. جعل فوز ليستر هذه المرة فوز لا يمكن مقارنته بمثل فوز تشيلسي و مانشستر سيتي لأول مرة لأنه تم ضخ ملايين الدولارت من قبل مالكيه في بداية الأمر. الحالة الليسترية كانت فريدة بحيث أنها استطاعت تحقيق الفوز التاريخي بدون أي ميزانية ضخمة وكانت ميزانيات الفرق لموسم 2015-2016 كالتالي مانشستر سيتي 411 مليون باوند، مانشستر يونايتد 391 مليون باوند، ارسنال 224 مليون باوند، توتنهام 170 مليون باوند، بينما بلغت ميزانية البطل 53 مليون باوند فقط!
هذه الميزانية المتواضعة وتاريخ الفريق وتواضع إمكانياته جعل المهتمين في مجال الإدارة من معاهد وجامعات ومجلات عالمية متخصصة تطرح هذا السؤال على مالك النادي ومدرب الفريق الإيطالي رانيري. ما هو سر الإدارة في تحقيق ليستر لبطولة الدوري؟ وذهبت بعض الجهات المتخصصة في الإدارة إلى إعلان اهتمامها في دراسة فوز ليستر سيتي من ناحية إدارية وتحليله لمعرفة كيف يمكن إدارة فريق عمل والوصول لنتائج تاريخية وغير مسبوقة بميزانية متواضعة جدا.

والبعض يمكنه أن يقلل من الإنجاز الذي وصل إليه ليستر بضعف الفرق المنافسة هذا الموسم، ولكن هل يمكن أن يتم تجاهل استطاعت ليستر من مواصلة أدائه القوي طيلة الموسم الذي راهن الكثير على أنه سيرهق لاعبيه عند بداية المنتصف الثاني من الموسم خصوصا أن الفريق لعب تقريبا بذات التشكيلة الأساسية طيلة مباريات الموسم كاملا وهو ما يفند حجة أن تحقيقهم للفوز مجرد حظ لتعثر الفرق المنافسة. وهذا دليل على وجود سر إداري في عقلية مدرب الفريق ومالكه في إيجاد بيئة عمل وجهد وتنظيم إداري يستحق التأمل والدراسة.
أهمية العمل الإداري ودراسة الحالات الناجحة منها في أي مجال تعطي أهمية كبيرة للتركيز على التطوير الإداري والإرتقاء بالأنظمة وتسريع الإجراءات لتكون بذات الأهمية التي يعطيها الإعلام لحجم الميزانيات المصروفة. فالسعودية صرفت ما يتجاوز تريليون ريال على مشاريع البنية التحتية خلال العقد الماضي. ومع تأثر بعض الدول و منها السعودية بإنخفاض أسعار النفط، هذا لا يعني أن يتوقف العمل وتتعطل الإنتاجية وتتوقف عجلة التنمية تحت حجة عدم توفر المال.
بل يجب إعتبارها فرصة لأخذ النفس وإعادة ترتيب الهيكلة الإدارية في الجهات واختصار الإجراءات. فعند تولي الملك سلمان حفظه الله ألغى ما يقارب ١٢ لجنة ومجلس ليتم اختصارها في مجلسين فقط. والأوامر الملكية الأخيرة التي هدفت إلى دمج الجهات ذات الإختصاص الواحد وتوحيد رئاسة عدة هيئات تعمل في ذات المجال تحت رئاسة وزير واحد سيجعل العمل بينهم تكامليا وسريعا بدل من حالة التعطل التي كنا نواجهها في الصحف قبل عدة سنوات ورمي التهم بين مسؤولي الجهات الحكومية كل منهم يبرر أن التأخير كان من الطرف الآخر.
ودليل آخر أن المال لوحده ليس كافيا، المشاريع المتعثرة في السعودية في السنوات الماضية تم رصد مبالغ كبيرة لها ومع ذلك تعثرت لأسباب مختلفة منها طول الإجراءات والبيروقراطية وهذا دليل عملي كافي لو أن المال يحل المشكلة لم نجد مشاريع متعثرة مع رصد ملايين الريالات لها. في رؤية 2030 يجب أن يتم تعظيم أهمية إحداث قفزة نوعية بالإجراءات وتحسين الأنظمة والقوانين بعيدا جدًا عن التركيز على حجم الميزانية المرصودة!

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة