20أبريل

استيراد الاسمنت .. هل كان خطأ استراتيجي؟

يبقى اتخاذ القرارات منعطف مهم لأي جهة، فنسبة حدوث الأخطاء تزيد مع زيادة العمل، وذلك لتعرض فريق العمل لمنعطفات أكثر تحتاج إلى اتخاذ قرار حيالها وهو ما سينتج عنه إما قرار صحيح أو خاطئ تتحمل الجهة تبعاته بعد تنفيذه. وحدوث مثل هذه الأخطاء جزء طبيعي من منظومة العمل اليومية وتتعرض لها كُبرى الدول والشركات حتى مع وجود كوادر بشرية على درجة عالية من التدريب والتعليم والخبرات.

مؤخرا استقبلت الشركات السعودية خبر السماح بإعادة تصدير الاسمنت وبيعه خارج المملكة وفق ضوابط جديدة، وهذه المرة الأولى التي يتم فيها السماح للشركات بالبيع خارج البلاد بعد قرار حظر التصدير الذي صدر في عام ٢٠٠٨م.

وكان قرار حظر التصدير يهدف إلى مواجهة أزمة الاسمنت التي تواجهها السعودية خلال تلك الفترة. فبلغ حجم إنتاج شركات الإسمنت المحلية من مادة الكلنكر( المادة التي يتم تحويلها إلى المنتج النهائي الاسمنت) في عام ٢٠٠٧م ما يعادل ٢٧ مليون طن سنويا وتضاعفت قدرات الشركات السعودية من إنتاج هذه المادة إلى ٥٧ مليون طن سنويا في عام ٢٠١٥م.

ومع صدور قرار حظر التصدير تضاعفت كميات المخزون من الكلنكر من مليون ونصف المليون طن في عام ٢٠٠٧م حتى تجاوزت ٧ مليون طن في عام ٢٠٠٨م وبقي مستوى مخزون الكلنكر لدى الشركات مجتمعة يترواح بين ٧ وحتى ١١ مليون طن خلال الفترة من ٢٠٠٨م إلى ٢٠١٢م وهو مستوى عالي جدا مقارنة مع ما كان الوضع عليه خلال الفترة من ٢٠٠٥م إلى ٢٠٠٧م الذي تراوح فيه مستوى المخزون بين مليون ونصف حتى ٣ مليون طن.

وفي منتصف عام ٢٠١٣م صدر قرار إلزامي للشركات السعودية بإستيراد ١٠ مليون طن إضافية مما ساهم بمضاعفة مخزون الكلنكر من ستة ملايين ونصف مليون طن عام ٢٠١٢م إلى ١٤ مليون طن في عام ٢٠١٣م ومع استكمال استيراد كامل الكمية المُلزمة على الشركات ودخول خطوط الانتاج الجديدة من الشركات السعودية ارتفع مخزون الكلنكر إلى أكثر من ٢٢ مليون طن في عام ٢٠١٥م وهو أعلى مخزون في تاريخ شركات الاسمنت السعودية.

فالشركات تهدف إلى تكوين هذا المخزون من مادة الكلنكر بما يعرف المخزون الإستراتيجي الذي يدعم تزويد الأسواق بالاسمنت الكافي في حال حدوث أي خلل في عملية الإنتاج. لكن زيادة هذا المخزون لكميات كبيرة جدا يسبب خسارة للشركات باعتبار أنه يصعب تخزينه لفترة طويلة. لذلك فإن قرار السماح بإعادة تصدير الاسمنت الذي صدر مؤخرا يهدف إلى التخفيف من هذا المخزون العالي وحل للمشكلة التي واجهتها الشركات من احتمالية خسارتها بسبب تراكم هذا المخزون في ظل التوقعات الحالية بتباطؤ النمو للمشاريع الإنشائية في السعودية للفترة المقبلة.

ولكن السؤال هل كنا بحاجة فعلا لاستيراد ١٠ مليون طن في منتصف عام ٢٠١٣م لنقوم في بداية ٢٠١٦ بالسماح بإعادة التصدير مرة أخرى خلال أقل من ٣ سنوات فقط؟ وهل تم استهلاك هذه العشرة ملايين طن التي تم استيرادها أم أنها كانت بمثابة عبء جديد على المخزون المتراكم من الكلنكر؟

إضافة إلى ما سبق فقد دعمت السعودية الشركات بإعطائها ٥٠ ريال لكل طن تم استيراده لتخفيف الضغط المالي على الشركات بحكم أن الأسعار خارج المملكة أغلى مما هي عليه داخلها وهذا يعني نصف مليار ريال يضاف إليها ما تحملته الشركات أيضا من نقل وتخزين وشحن هذه الكميات لهذه الفترة. مما يضاعف الخسارة المالية للحكومة والشركات من هذا القرار ويُضاف إلى هذه الخسارة المالية الخسارة التي ستتم بإعادة تصدير الاسمنت مرة أخرى وهو ما كان يمكن تلافيه منذ البداية بعدم الإستيراد.

صحيح أن الهدف من استيراد العشرة ملايين طن كان تخفيف أزمة الاسمنت في السعودية. ولكن المشكلة لم تكن بكفاية تصنيع مادة الاسمنت لوحدها فالشركات السعودية كان لديها القدرة على زيادة طاقتها الإنتاجية لو تم تزويدها بالوقود الكافي لخطوط إنتاجها الجديدة من قبل أرامكو المزود الرئيسي للوقود. إضافة إلى مشكلة النقل التي تواجه الشركات في السعودية فمع غياب سكك الحديد التي تربط أراضي البلاد مترامية الأطراف أصبح هناك فجوة ما بين العرض والطلب في بعض المناطق وهو نتيجة طبيعية لكثافة المشاريع الإنشائية.

وكان النقل بإستخدام الشاحنات الوسيلة الوحيدة والمكلفة أيضا في نقل الاسمنت من الشركات التي تقع في مناطق لديها وفرة في الإنتاج إلى مناطق أخرى لديها طلب عالي للاسمنت، خصوصا أن أزمة الاسمنت التي انتشرت في أواخر عام ٢٠١٣م في بعض المناطق تزامنت مع الحملة التصحيحية للعمالة المخالفة ومعلوم أن قطاع النقل لدينا يعتمد اعتماد شبه كلي على العمالة الأجنبية وليس على العمالة الوطنية.

القرار لم يأخذ بالحسبان الطاقات الإنتاجية والتوسعات التي قامت بها الشركات في خطوط إنتاجها التي دخلت السوق خلال الخمس سنوات الأخيرة وتحسين العملية الانتاجية للخطوط بإضافة مشروع استغلال الطاقة الحرارية المفقودة الذي بدأت عدة شركات في تركيب هذا النظام لزيادة كفاءة الطاقة والإنتاج. إضافة إلى أنه لم يأخذ بعين الاعتبار المشكلة التي تتكرر في كل عام مع نقل ااإسمنت من المناطق البعيدة في شمال وجنوب المملكة إلى المناطق التي تستحوذ على أغلب مشاريع الإنشاء مثل الغربية والوسطى. فلو تم المساهمة في تطوير وحل مشكلة النقل مما يجعل تحرك الاسمنت بين المناطق أسرع وبقيمة معقولة مما سيُسهم في حل المشكلة دون اللجوء للاستيراد.

الوقوع بمثل هذه الأخطاء من القرارات أمر طبيعي بحكم أن القرار يتم في ظل الظروف المتوفرة خلال فترة إتخاذ القرار ولكن الأهم أن نتعلم من هذه الأخطاء لكي لا تتكرر في المستقبل.

 

*إن أعجبك محتوى المدونة؛ كرما منك ساهم في نشره.

تم نشر هذا المقال في مقالي الأسبوعي (كل أربعاء) في صحيفة مال

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة