9مارس

توطين صناعة الإستشارات

العالم الاقتصادي والإداري في العقود الأخيرة أصبح أكثر تعقيدًا من أي فترة مضت، وأصبحت الحاجة ماسة لخبراء يقومون بدراسة وإعطاء رأيهم في كل خطة عمل طموحة تحتاج إليها. ومنطقة مثل منطقة الخليج الغنية بالنفط وتطمح لتطوير بنيتها التحتية،وتنويع الاقتصاد وتطوير الأنظمة ستحتاج إلى كثير من الاستشارات في الجانب الاداري والمالي والعلمي وغيرها من الاستشارات المتخصصة.

وفي تقرير نُشر قبل عدة أيام من قبل (London-based Source Global Research) المتخصصة في كتابة تقارير عن صناعة الاستشارات الإدارية حول العالم. توقعت أن تبلغ رسوم الاستشارات الإدارية التي ستدفعها السعودية لمكاتب الاستشارات العالمية في عام ٢٠١٦م مليار وثلاث مئة مليون دولار وهو ما يعادل زيادة بنسبة ٦٠٪ من الرسوم التي دفعتها قبل ٤ أعوام لمثل هذا النوع من الاستشارات.

وهذه الاستشارات ليست مجرد مكاتب خدمية تغطي العالم بفروعها المتناثرة في كل مكان، بل هي صناعة تقوم عليها دول وتعتبر مصدر غني للأرباح ويمكن الاعتماد عليها كمصدر لتنويع الاقتصاد، والهدف هنا ليس المطالبة بسعودة فروع هذه المكاتب في السعودية وإنما يجب أن يكون الطموح أعلى من ذلك بكثير وهو المطالبة بتوطين هذه الصناعة كاملة لدينا بالسعودية والسعي الجاد لتطويرها لنأخذ نصيبنا من هذه الصناعة العالمية التي تدر مليارات الدولارت سنويا.

مع انخفاض النفط، والسعي للتحول الاقتصادي، وخصخصة بعض القطاعات الحكومية، ربما نشهد موجة اندماجات وعروض استحواذ بين الشركات القائمة حاليا. كل هذا يتطلب كمية كبيرة من الاستشارات، ولن يتوقف الأمر عند الاستشارات الإدارية فقط وإنما سيكون هناك حاجة لجميع أنواع الاستشارات من إدارية وعلمية وتقنية ومالية وغيرها. وهذا يجعل المطالبة بتوطين صناعة الاستشارات لدينا وأن نكون رائدين فيها ونقدمها للغير هدف أساسي للمرحلة المقبلة. وللمتشائمين فصناعة البتروكيماويات كانت قائمة على الدول المتقدمة، ومع وجود العزيمة والإصرار تم توطين هذه الصناعة كاملة، مما جعلها أحد أهم الروافد الاقتصادية للسعودية بزعامة سابك وغيرها من الشركات السعودية.

وصناعة الطيران التي استحوذت عليها الدول الغربية لفترة طويلة، استطاعت شركات الطيران الخليجية أن تدخل المنافسة وتستحوذ على حصة سوقية ضخمة منها، مما جعل شركات الطيران الأمريكية تطلب تدخل الرئيس الأمريكي لحماية صناعتها من غزو شركات الطيران الخليجية التي لم تستطع مقاومة سحبها للبساط من تحتها.

فصناعة الاستشارات الإدارية حول العالم بلغت ١١٥ مليار دولار في عام ٢٠١٤م حسب ما نشرت Source Global ويزيد المبلغ إلى ٤٤٩ مليار دولار في عام ٢٠١٥م إذا ما أضفنا الاستشارات للموارد البشرية والتقنية والتخطيط الإستراتيجي والمالي والإداري حسب ما نشرته Plunkett Research واستحوذت الولايات المتحدة الأمريكية من هذه المبلغ لوحدها ١٩٢ مليار دولار. ولتوضيح حجم هذه الصناعة وأنها صناعة تُدر المليارات ويمكن أن تكون رافد اقتصادي قوي لأي دولة تريد الريادة في هذا المجال. نستعرض الشركات الكبيرة الأربعة حول العالم في هذه الصناعة، مثل: Deloitte , PwC, EY, KPMG بلغ مجموع إيراداتها في عام ٢٠١٤م لوحده ما يقارب ٥٠ مليار دولار.

وهذه الصناعة تعتمد على العقول أكثر من أي شيء آخر، وهو ما يتوفر لدينا بعد ضخ المشاريع التنموية طوال العقدين الماضيين في التعليم والابتعاث فبحسب آخر إحصائية من هيئة الإحصاء، يوجد لدينا ٩٦ ألف من حملة درجة الدكتوراة، و١٧٧ ألف من حملة الماجستير، و ٣٤٩ ألف من حملة درجة البكالوريوس. هذا بخلاف المبتعثين في مختلف الدرجات العلمية الذين تتجاوز أعدادهم ١٥٠ ألف مبتعث.

وأعتقد أن الفرصة سانحة الآن لأن نلتفت لمثل هذه الصناعة خصوصا مع سعي السعودية إلى إقرار خطة التحول الوطني التي تستهدف تنويع مصادر الدخل وتطوير جودة الخدمات. ولن تكون المطالب بسحب البساط من هذه الشركات بيوم وليلة وإنما البدء من الآن بتأسيس هذه الصناعة وتدريب وتأهيل وتمكين الشباب السعودي من قيادتها حتى نبدأ بالمنافسة والحصول على حصة سوقية كبيرة مع مرور الوقت.

أعتقد أنه حان الوقت لئن نستفيد من الآلاف الذين تم ابتعاثهم واطلعوا على تجارب دول كثيرة ليعودوا ويكوّنوا لنا مزيج خبرات من أفضل دول العالم. ما نحتاج إليه الآن هو توطين صناعات ضخمة مثل هذه ولا نكتفي بسعودة الوظائف الدُنيا أو تكليف مكاتب استشارية أجنبية بمبالغ مليارية تهرب من البلد بدلا من البقاء فيه.

*إن أعجبك محتوى المدونة؛ كرما منك ساهم في نشره.

تم نشر هذا المقال في مقالي الأسبوعي (كل أربعاء) في صحيفة مال

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة