2مارس

الأسر المنتجة لا تحتاج المال فقط

اعتدنا أن تتشابه القصص في المسلسلات الخليجية عندما يكون السيناريو عن العائلة الفاحشة الثراء، والأب المشغول عن أبنائه. وفي لحظة حاسمه من حلقات المسلسل،يصرخ أحد الأبناء في وجه أبيه أنه يريده هو ولا يريد ماله الذي يعرضه عليه في كل مرة عندما يقع في مأزق، ظنًّا منه أنه يساعده بهذه الطريقة، (لأن المال ببساطة ليس كل شيء). والشيء على بساطته الظاهرة إلا أن ممارسته في الواقع تستمر، سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى الجهات الحكومية بترسية مشاريع مليارية في كل مرة لحل مشكلة ما ويتناسون الحلول الإجرائية والإدارية التي ممكن أن تساهم في حل الأزمة بأضعاف مساهمة المال نفسه.

قبل عدة أيام، أعلن وزير الشؤون الاجتماعية عن تخصيص ثلاثة مليارات ونصف المليار ريال، من أجل دعم المشروعات الصغيرة للأسر المحتاجة والأسر المنتجة. وهذا لا شك دعم سخي وثمين من قيادتنا الحكيمة. ولكن لأن يدًا واحدة لا تصفق كما اعتدنا، أتمنى أن تتحرك الوزارة بالتعاون مع بقية الجهات الحكومية، لتفكيك الإجراءات البيروقراطية وتقديم الدعم اللوجستي والاستشارات العملية والفنية للأسر المنتجة بلغة بسيطة وسهلة لهم. الحاجة الفعلية لأي بلد لدعم المشاريع الصغيرة جدًا واضحة. فالمشاريع الصغيرة على بساطتها إلا أنها تُساعد الاقتصاد وتفيد الأفراد بشكل مباشر. وخصوصا ممن هم من الطبقة المتوسطة وما دون ذلك، فنمو هذه الأسر وتنمية مهاراتها العملية وإكسابها حِرف جديدة سيعود لها بالمكسب المادي أولا ويعود للبلد بالفائدة بتحويل فرد غير منتج ينتظر إعانة مالية كحافز إلى فرد منتج يستطيع توفير لقمة عيشه بنفسه وربما مع الوقت يستطيع توظيف أفراد جدد في مشروعه ليفتح فُرصة وظيفية أخرى للآخرين من العدم. الأسر المنتجة تحتاج إلى جانب المال، تحتاج مستشارين يقدمون استشاراتهم لهم على مدار العام بلغة يفهمونها في تخطيط أعمالهم والتغلب على صعوبات أول سنة في إنشاء مشروع تجاري صغير، الأسر المنتجة تحتاج إلى من يُعلمهم طريقة حساب التكلفة الفعلية لمنتجهم، وبناءً عليه يستطيعون تقدير هامش الربح الصافي المعقول الذي يُسعّرون به منتجاتهم.

الأسر المنتجة تحتاج إلى تسويق منتجاتهم بشكل إحترافي وسهل وبسيط، بدلًا من التسويق عبر الإنستغرام لمنتجاتهم. الأسر المنتجة تحتاج إلى من يُرشدهم إلى طريقة تخفيض التكاليف ليكون السعر الذي يبيعون فيه منتجاتهم من (الحلى المنزلي على سبيل المثال منطقية!) فالفتاة التي تمارس هوايتها في تحضير وإعداد الحلى المنزلي وتشتري أدواتها من البقالة الصغيرة بجانب بيتهم وليس من سوبر ماركت كبير ستكون التكلفة التشغيلية لها عالية جدًا، مما يدفعها لرفع سعر منتجها النهائي، مما يدفع بالزبائن لعدم الشراء منها وبالتالي يدفع بمشروعها للفشل من جديد. والسبب ببساطة، أنه لو توفرت لها الاستشارة والنصح بتخفيض التكاليف عن طريق شراء المواد الخام بأسعار منطقية لاستطاعت أن تخفض سعر بيعه، ليكون بمتناول العميل.

الأسر المنتجة تحتاج إلى منصات دائمة لعرض منتجاتها دون الانتظار للمناسبات السنوية مثل الجنادرية أو الأعياد لتقديم منتجاتها بركن صغير. (بسطة ماركت) الذي أُقيم مؤخرًا من الغرفة التجارية بجدة لجعله سوق أسبوعي كل جمعة لدعم منتجات الأسر المنتجة وغيرهم من المنشآت الصغيرة أحد هذه المنصات الفاعلة في دعم الأسر المنتجة طوال العام لعرض منتجاتها. موقع Just eat الشهير المتخصص بربط المطاعم بالزبائن هو أحد الأمثلة على منصات ربط الأسر المنتجة بزبائنها، وتسهيل قنوات التواصل بينهم. Just eat ليس منصة خيرية بل هو أيضا مشروع تجاري بدأ في عام ٢٠٠١م واستطاع في عام ٢٠١٤م تحقيق دخل صافي مقداره ٢٧٨ مليون ريال. وهذا يعطي الوزارة فرصة لتحقيق دخل إضافي للدولة بدلًا من صرف ملايين على إقامة مشروع مشابه دون أن يتضرر العميل مستخدم الموقع أو الأسرة المنتجة التي تستخدم هذا الموقع لعرض منتجاتها. الأسر المنتجة والمنشآت الصغيرة لا تحتاج أموالكم فقط، هي تحتاجكم أنتم بجانبها تحتاج إلى تسهيل وتسريع الإجراءات وتحتاج لخبرة المستشارين على مدار العام.

 

*إن أعجبك محتوى المدونة؛ كرما منك ساهم في نشره.

تم نشر هذا المقال في مقالي الأسبوعي (كل أربعاء) في صحيفة مال

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة