17فبراير

إيجابية إغلاق المحلات الساعة التاسعة مساء (1-2)

عاشت السعودية خلال العقود الماضية العديد من التغيرات في عدّة مجالات، وكان هناك الكثير من قرارات مفترق الطرق ، فتعليم البنات والابتعاث والإقبال على القطاع الخاص مقارنة مع الإحجام السابق كلها كانت تصطدم بالبداية برفض طرف للفكرة تمامًا دون حتى السماح للأخذ والرد فيه وبحث المعوقات لحلها ثم تطبيقها. والتاريخ يعيد نفسه والأحداث تتكرر ولكنها تأتي بعباءة مختلفة عمّا سبق، وهذه الفترة نعايش أحد القرارات التي ستكون مفترق طرق أيضًا فقرار إغلاق المحلات الساعة التاسعة مساءً أخذ جدلًا واسعًا في مجلس الشورى ووزارة العمل وتويتر أيضًا. ولا يلام أحد في المشاركة في مثل هذه القضية لأنه قرار سيمس الجميع وسيشعرون به. فكرة إغلاق المحلات الساعة ٩ مساء ليست ترفًا اجتماعيًا أو عبثًا إداريًا فمن يقف خلف تأييد هذا القرار يرى أهدافًا كثيرةً يمكن تحقيقها، وكذلك الحال لمن يخالف هذا القرار.

سأعرض بشكل مبسّط بعض التفاصيل عن أحد فوائد تطبيق هذا القرار، ويمكن للقارئ تصوّر الباقي منها من هذا المنطلق. لو استطعنا تبسيط المشكلة بقطاع التجزئة (الذي يشمل البقالات ومحلات الإلكترونيات والملابس والكماليات وما شابهها) فهو قطاع ضخم جدًا في سوق ناشئة مثل السعودية. وبلغت مبيعات قطاع التجزئة السعودية لعام ٢٠١٥م حسب تقرير شركة ايه تي كيرني العالمية. ٣٨٦ مليار ريال في سنة واحد فقط! ولتقريب هذا المبلغ من المبيعات في السعودية خلال سنة واحدة يعادل ما يقارب ٧٥٪ من الإيرادات المتوقعة التي ستحصل عليها السعودية خلال الموازنة في عام ٢٠١٦م لكامل العام. والمبيعات السنوية لقطاع التجزئة تتفوق على ما تم تخصيصه خلال عام ٢٠١٦م لقطاع الصحة والتنمية الاجتماعية والتعليم والتدريب مجتمعين! هذه الأرقام مفرحة جدًا لأن لها انعكاساتها الإيجابية على الاقتصاد السعودي وقوته. لكن المحزن في هذه الأرقام أن ٧٠٪ من قطاع التجزئة مُسيطر عليه من قِبل العمالة الأجنبية حسب تقديرات الخبراء وهذا يعني سيطرتهم على ما يقارب ٢٧٠ مليار ريال سنويًا من هذه المبيعات وإذا تذكرنا هذه الأرقام فلا يغيب عن ذهننا أيضًا نمو تحويلات الأجانب للخارج التي قفزت من معدلات ٤٠ مليار سنويا خلال الفترة ١٩٩٤ م- ٢٠٠٤م وتدرجت بالزيادة الجنونية خلال الفترة من ٢٠٠٤م وحتى ٢٠١٤م إلى أكثر من ١٥٠ مليار ريال سنويا.

والإشكالية الرئيسية من سيطرة العمالة الأجنبية على هذا القطاع، أنها أموال ضخمة تُهدر من اقتصاد الوطن ولا يمكن الاستفادة منها. فالمغترب في أي بلد عادة ما يحتفظ بجزء كبير من أمواله ويصرف القليل في البلد الذي يعيش فيه ويحول الباقي إلى الخارج. فالقوة الاقتصادية للسعودية لهذا القطاع ستكون أفضل لو استمرت دورة المال داخل السعودية بمعنى أن تُعاد الأموال المصروفة على هذا القطاع، لأن المستثمر السعودي سيصرف هذه الأموال في السعودية مرة أخرى، مقارنة مع العامل الأجنبي الذي سيقوم بإرسال هذه الأموال للخارج.

هذا فقط توضيح لحجم وأهمية قطاع التجزئة بالسعودية وتأثير العمالة الأجنبية المسيطرة عليه. يبقى السؤال لماذا لا يستطيع الشاب السعودي العمل بقطاع مثل قطاع التجزئة؟ الأسباب كثيرة وتختلف لكن نقطة وحيدة سأذكرها كمثال هو أن العامل الأجنبي والمغترب عمومًا في أي بلد لديه ميزة إضافية على المقيم في ذات البلد. وهذا نلحظه في كل مكان حتى المبتعثين أنفسهم عندما يعودون للسعودية ويقارنون الوضع في بلدان ابتعاثهم. هو أن الأجنبي لا يُشغله أي شيء فهو لا يرتبط بأي مناسبات عائلية أو اجتماعية وليس لديه ارتباطات يومية وأسرية. وهذا يجعل لديه وقت كافٍ جدًا يستطيع خلاله فتح المحل الذي يعمل فيه فترات طويلة. وعلى عكس السعودي فمهما كان مجتهدًا وحريصًا يبقى أنّ لديه التزاماته العائلية والاجتماعية ومهما حاول التملّص منها سيجد نفسه مضطرًا لإغلاق محله وإنهاء بعض الأمور العائلية في بعض الأوقات. لذلك لن يستطيع السعودي مجاراة العامل الأجنبي الذي يستطيع الجلوس في المحل لساعات طويلة جدًا لأنه ببساطة ليس لديه أي شيء يُشغله في هذه البلد سوى المحل الذي يعمل فيه.
ولأهمية الموضوع فضّلت التوسّع فيه وسيكون الجزء الثاني منه الأربعاء القادم بإذن الله ليغطي بقية الفكرة حول إيجابية إغلاق المحلات الساعة التاسعة مساء من وجهة نظري.

*إن أعجبك محتوى المدونة؛ كرما منك ساهم في نشره.

تم نشر هذا المقال في مقالي الأسبوعي (كل أربعاء) في صحيفة مال

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة