28ديسمبر

موازنة عام ٢٠١٦ عصر شدّ الأحزمة؟

هل بدأنا عصر جديد من عصر (شدّ الأحزمة؟) ربما..

مع إعلان الموازنة للعام ٢٠١٦ اليوم بدأ كل شيء واضح وتأكدت كل التكهنات التي كانت تروّج خلال المنتصف الثاني تحديدًا من ٢٠١٥حول ماذا يمكن فعله تجاه انخفاض النفط. لن أُسهب في أسباب انخفاض النفط (فقد كتبت عنه في هذا الموضوع للإطلاع عليه) لم يكن واضحا منذ أزمة انخفاض النفط كيف ستتفاعل السعودية مع العجز وتم تأكيد الخيار المتاح للسعودية عن طريق السحب من الاحتياطي بما مجموعه ٢٥٠ مليار ريال تقريبا وإصدار سندات حكومية عن طريق البنوك المحلية لأول مرة منذ سنوات عديدة لتغطية العجز وقد وصل إصدار السندات إلى ٩٨ مليار ريال ( السندات عبارة عن دين بشكل مختصر لمن لم يسمع بها من قبل) 

ما هي الميزانية وما هي الموازنة؟ الفرق بينهما واضح لكن الكثير يخلط بينهم. الميزانية هي ما يخص ميزانية محددة ومعروفة وواضحة فتكون للسنة الماضية. أما الموازنة فتطلق على ما تتوقعه مستقبلا من مصاريف وإيرادات للعام القادم. موازنة ٢٠١٦ أكدت ضخ مبالغ بنفس مستوى الإنفاق للسنوات العشر الماضية والسبب في المحافظة على نفس وتيرة الإنفاق حتى لا يتم إيقاف الإنفاق بشكل مباشرة مما قد يؤدي إلى إنهيار الإقتصاد أو تباطؤه بشكل كبير لذلك يجب التخفيف من الإنفاق بشكل تدريجي حتى يتقبل الإقتصاد الوضع الجديد ويتأقلم معه. وتم ذلك بالفعل فتم تخفيض الإنفاق في موازنة ٢٠١٦ بما نسبته ١٤٪ من مستوى الإنفاق الفعلي الذي تم صرفه في ٢٠١٥. وهذا قرار جيد وأعتقد أنه في موازنة ٢٠١٧ سيتم التخفيض أيضاً بنسبة مشابه تقريبا (إذا بقيت الظروف كما هي)

السعودية في رسمها للموازنات تستخدم إستراتيجية جيدة مقارنة مع الدول الأخرى المصدرة للبترول فالسعودية تبني موازنتها على توقع متوسط سعر منخفض ومتحفظ جداً للبترول وكانت في أحسن أحوالها تتوقع ٦٥ دولار عندما كان سعر البرميل في أوجه وتجاوز متوسطه حينها ١٠٠ دولار. بعكس دول مثل ليبيا وإيران وفنزويلا في السنوات السابقة بنوا موازناتهم على أسعار بترول عالية وصلت في بعضها إلى ١٢٠ دولار للبرميل. وفي موازنة ٢٠١٦ يبدو من الإيرادات المتوقعة أن السعودية رسمت توقع بيع سعر البرميل بمتوسط ٢٥-٣٠ دولار وهذا أمر جيد حتى لا تبني ميزانيتك على مبالغ عالية لن تجمعها مستقبلاً

ما هو العجز والفائض بالميزانية، هي مبالغ تعتمد أساساً على توقعاتك عن أسعار سلعتك وكمثال عليها إذا كنت تخطط لسفرة لدبي ورسمت ميزانية ٣ آلاف ريال لكامل الرحلة وذهبت وصرفت ٢٥٠٠ ريال فيكون عندك فائض بمبلغ ٥٠٠ ريال. ولو رسمت في رحلة أخرى لدبي ميزانية بمبلغ ٢٠٠٠ ريال وصرفت فعلياً ٢٥٠٠ ريال سيكون لديك عجز بمقدار ٥٠٠ ريال. ولاحظ هنا أنك صرفت نفس المبلغ تماما ٢٥٠٠ ريال في كلتا الحالتين لكن ( توقعك للصرف أو توقعك للميزانية التي تستطيع توفيرها) هو ما رسم الفائض والعجز.

رفع أسعار الطاقة في المملكة، هذا ليس الحدث الأول التي تتم فيه رفع أسعار الطاقة فتم رفعها سابقاً في عام ١٩٩٦م وتم رفع رسوم الخدمات الحكومية أيضاً. لماذا يتم رفع أسعار الطاقة؟ تلجأ الدول لرفع أسعار الخدمات لسببين لكسب مبالغ مالية إضافية، والحد من الإستهلاك العالي للطاقة. مع موازنة ٢٠١٦ تم رفع أسعار الطاقة على الجميع المصانع والشركات والأفراد. هل القرار إيجابي أم سلبي؟ هو إيجابي وسلبي في ذات الوقت وسأفصل فيه (مع أنني شخصيا كنت أفضل رفع أسعار الطاقة ولكن ليس بهذه الطريقة وإنما عن طريق كروت الدعم ولعلي أُفصّل فيها في موضوع منفصل) رفع أسعار الطاقة بهذه الطريقة سيؤثر بشكل مباشر بمداخيل المواطنين عن طريقين الطريق الأول دفعهم المباشر للخدمات مثل البنزين والكهرباء والماء والطريق الآخر من خلال ارتفاع أسعار الخدمات المقدمة من الشركات لأن أسعار الطاقة ارتفعت وعليه سيقوم التاجر بتعويض خسارته برفع أسعار سلعته لتعويض هذه الخسارة لأن أسعار النقل ستزيد وأسعار الكهرباء ستزيد عليه فلا بد من أن يعوض هذه الزيادة من المستفيد الأخير من الخدمة وهو المواطن في هذه الحالة.

كيف يكون رفع أسعار الطاقة إيجابي؟ حجم استهلاك الطاقة لدينا بالسعودية ازداد بشكل جنوني خلال السنوات الأخيرة. وليس زيادة الإستهلاك هو المشكلة لوحدها المشكلة الحقيقية تكمن أنه إذا استمر استهلاك الطاقة لدينا بهذه النسب فلن تستطيع السعودية بيع برميل نفط واحد بعد ١٥ سنة تقريبا والسبب أن جميع ما تنتجه سيتم استهلاكه محليا. بمعنى لو افترضنا جدلا أنه وصل سعر البرميل ٢٠٠ دولار بعد ١٥ سنة والسعودية تستهلك جميع إنتاجها محليا فلن تستفيد من زيادة أسعار البترول أو حتى نقصانه لأنه لا يوجد لديها أي فائض لتبيعه وهذا حدث لإندونيسيا فإندونيسيا عندما انضمت لمنظمة أوبك فإن إنتاجها من النفط أعلى من إستهلاكها ومع مرور الزمن أصبحت اندونيسيا تستورد النفط من الخارج لأنها لا تستطيع تغطية احتياجاتها. فبدلاً من أن تكون السعودية مصدرا للنفط ستكون مستورد للنفط. ولذلك يجب الحد بشكل كبير من الإستهلاك العالي للطاقة لدينا

عيب إستهلاك الطاقة لدينا أنه إستهلاك نفعي وليس إستهلاك صناعي بمجمله. فليس هذا الإستهلاك العالي بسبب زيادة إنتاج المصانع والسلع المصدرة وإنما بسبب إستهلاك النفعي من السيارات (لدينا رسيماً ما يقارب ١٨ مليون سيارة حسب إحصائية ٢٠١٤ وهو عدد ضخم جداً من السيارات) والكهرباء وهذه لا تولّد مبالغ ذات قيمة مضافة للبلد وعليه إستهلاكها العالي يعتبر مكلف جدا. فالإستهلاك لدينا وصل في ٢٠١٤،  ١٥١٦ مليون برميل نفط بينما كان في عام ٢٠١٠ ١٢٥٠ مليون برميل نفط. وإنتاجنا من النفط في ٢٠١٤ كان ٣٥٠٠ مليون برميل نفط ولتقريب الصورة فقط وتسهيلها فإننا نستهلك تقريبا ثلث إنتاجنا الآن.

هناك عدة طرق لضبط الإستهلاك العالي للطاقة في السعودية: منها استهلاك الكهرباء لأن توليد الكهرباء بالسعودية يتم عن طريق منتجات النفط والغاز فتوفير استهلاك الكهرباء يعني توفير باستهلاك النفط. فتم تطبيق قانون عزل المباني الذي بدأت في تطبيقه البلدية على تراخيص البناء الجديدة،وتم تطوير نظام النجمات على الأجهزة الكهربائية لإبعاد الأجهزة الردئية من السوق التي تستهلك كمية عالية من الكهرباء وإنتاجيتها قليلة، وتم تطبيق ما يسمى (معيار اقتصاد الوقود) للسيارات وسيتم البدء فيه في يناير ٢٠١٦ وهو يعنى أن السيارة يتم تصنيعها بكفاءة أعلى لتستهلك بنزين أقل وتعطي مسافة أطول ويتوقع أن يتم توفير ٣٠٠ ألف برميل نفط من هذا التطبيق. فكل هذه القرارات التي تم عملها مفيدة لضبط استهلاك الطاقة وتقليلها. وزيادة الأسعار الطريقة المعروفة لإجبار المستهلكين على الحد من الإستهلاك. الأمر الإيجابي في رفع أسعار الكهرباء أنه لم يتم رفع السعر على الشريحتين الأولى والثانية لذلك أي منزل يستهلك ٤٠٠٠ واط في الشهر وأقل من ذلك لن يتأثر نهائيا بهذه الزيادة. وهذه دعوة للإستخدام العادل للكهرباء قدر الحاجة فقط.

الأمر الإيجابي لرفع أسعار الطاقة على المصانع والشركات هو لتسريع مسألة نُضج الشركات لدينا وجعلها تعتمد على نفسها بدلا من سياسة الدعم التي تقوم بها الحكومة للمصانع من سنوات طويلة. فرفع الأسعار عليهم سيجعلهم تحت ضغط زيادة وتحسين كفاءة المصانع وضبط المصاريف بشكل إجباري وفتح الباب للإندماجات والإستحواذات في السعودية بين المصانع لتكون مصانعهم تكاملية وليست تنافسية فيما بينهم مما سيضرهم قطعا. وهناك تجربة جميلة في إجبار المصانع على رفع كفاءة طاقتها وهو ما حدث مع مصانع الإسمنت في السنتين الأخيرة فمصانع الإسمنت يتم دعمها بالوقود الرخيص من أرامكو وعندما رفضت أرامكو زيادة الوقود لمصانع الإسمنت اضطرت الشركات لتطوير مصانعها وتركيب أنظمة ما تسمى (استغلال الطاقة الحرارية المفقودة) وهذا النظام زاد من كفاءة إنتاج المصانع وضبط إستهلاك المصانع من الوقود وحقق وفر مالي سنوي متكرر للمصانع يصل في بعضها إلى ٣٠ مليون ريال سنويا. ولتبسيط الصورة تخيل أن إبنك الشاب يعتمد عليك في المصروفات مهما حاولت إجباره على الإعتماد على نفسه لن يكون لديه الحماسة لذلك. لكن عندما تقطع أو تقلل عنه المصروف بشكل كبير تجبره بهذه الطريقة على الإعتماد على نفسه واستغلال وتطوير قدراته لأنه سيضطر للصرف على نفسه. وهو ما تعاني منه السعودية مع المصانع بالسعودية فرفع الأسعار عليهم سيجعلهم أمام خيارين إما تطوير وتحسين كفاءة مصانعهم ووقف هدر الطاقة أو الخسارة السنوية المستمرة.

تفاصيل الميزانية طويلة وكثيرة جدا ولضيق المساحة فضلت الإختصار قدر الإمكان حتى لا يكون الموضوع مملا على القارئ فأحببت تركيز الضوء على أبرز ما جاء فيها بشرح الإيجابيات والسلبيات من القرارات وليس سرد أرقام فقط لأن الأرقام يمكن الحصول عليها من أي مكان فتم إعلانها في جميع وسائل الإعلام لهذا اليوم.

أتمنى أن يكون الموضوع مفيدا وأسعد بتفاعلكم معه والإجابة على الأسئلة،

*إن أعجبك محتوى المدونة؛ كرما منك ساهم في نشره.

شارك التدوينة !

عن أحمد الزمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

تم التطوير بواسطة